أبو علي سينا

تصدير 18

الشفاء ( المنطق )

المنطق إلى البرهان ، حتى يتبين مكان الجدل من المنطق عموما . إنّ سبيل تلك المعرفة المكتسبة هو : « القياس اليقيني ، والقياس اليقيني هو البرهان » « 1 » . ولكن القياسات ليست مقصورة على القياس الصوري الذي سبق بحثه في التحليلات الأولى ، ولا على القياس اليقيني الذي هو موضوع التحليلات الثانية أو البرهان ، وإنما هناك أنواع أخرى من القياسات ، ومنها الجدلية ، النافعة في « الأمور الشركية » . « ويجب أن نتعلم هذه الأصناف أيضا ، لما لا تخلو عنه من منفعة ، بل لما تدعو إلى استعمالها في الأمور المدنية من الضرورة » « 2 » يقرر ابن سينا بما لا يدع سبيلا إلى الشك منذ أول الكتاب أن الجدل نافع وضروري لسياسة المجتمع ، وما تحتاج إليه هذه السياسة من دين وأخلاق وسياسة حكم ، وهي التي أطلق عليها « الأمور المدنية » . هذا التصريح الواضح الحاسم حدد معالم الطريق تحديدا متميزا ، وفصل بين منطق البرهان ومنطق الجدل ، من جهة أن موضوع منطق البرهان الطبيعيات ، وموضوع منطق الجدل الإنسانيات « 3 » . مقدمات المنطق الأوّل موضوعة بحسب الطبيعة ونفس الحق ، ومقدمات المنطق الثاني مشهورة ، أو متسلمة ، إما من جمهور أهل الصناعة ، وإما من جمهور الناس .

--> ( 1 ) الجدل ، ص 7 . ( 2 ) الجدل ، ص 8 . ( 3 ) يتابع ابن سينا أرسطو عند الكلام عن منافع الجدل أنه نافع في العلوم ، وأن المواضع منها منطقية ومنها طبيعية ، ومنها خلقية ، غير أن ابن سينا مع اعترافه بأن هناك مقدمات جدلية طبيعية ، إلا أنها تتبع طريقا آخر خلاف الجدل - انظر الجدل ص 50 - 53 وما نذكره في هذه المقدمة فيما بعد .